محمد جواد مغنية
67
في ظلال نهج البلاغة
وجود غيره ، وكل كلمة من هذه الثلاث فاعل للفعل الذي قبله على الحكاية ودليلا منصوب بنزع الخافض أي لتحول إلى دليل . المعنى : كل ما ذكره الإمام هنا من صفات اللَّه سبحانه ، تقدم مرارا بالحرف أو بالمعنى ، ولذا نوجز في الشرح ما أمكن ( ما وحّده من كيّفه ) . إذا قلت : كيف فلان فإنك لا تسأل عن ذاته ، بل عما يعرض لها من الأحوال كالعسر واليسر ، والصحة والسقم ، ومعنى هذا أن الذات المسؤول عنها محل للأحداث ، وانها تتغير وتتبدل من حال إلى حال . . واللَّه سبحانه واحد وكامل من كل وجه يستحيل في حقه التغيير والتحويل ، لأنه فوق الأشياء ، وخالق الأحوال والأحداث ، قال الرسول الكريم ( ص ) الكيف مخلوق ، واللَّه لا يوصف بخلقه ، وقال الإمام الصادق ( ع ) : من نظر إلى اللَّه كيف هو فقد هلك . ( ولا حقيقته أصاب من مثّله ) . كل صورة ترسمها في خيالك فهي صورة لجسم يرى ويحس وإلا استحال الرسم والتشخيص ، وهل يوجد ظل وشبح لغير المادة . واللَّه سبحانه منزه عن ذلك . قال الملا صدرا : إن كان ما تصورته لذات اللَّه مطابقا للواقع يلزم أن يكون اللَّه جسما محدودا ، وهو محال ، وإن لم يطابق فهو كذب وسراب ( ولا إياه عنى من شبّهه ) . لأنه لا شبيه له ولا ضد ( ولا صمده من أشار اليه وتوهمه ) . كل الإشارات بشتى أنواعها لا تكون إلا للمحسوسات ، واللَّه فوقها ومنزه عنها ، وفي كلمات أهل البيت : إن أوهام العقول أدق من أبصار العيون ، وأوهام العقول لا تدرك اللَّه فكيف بأبصار العيون . ( وكل معروف بنفسه مصنوع ) . المراد بالمعروف بنفسه المعلوم بذاته وحقيقته لا بأفعاله وآثاره . ومن البداهة ان معرفة الشيء بكنهه وحقيقته تتوقف على معرفة العناصر التي تكوّن منها ، ومعنى هذا ان المعروف بالذات والكنه مركب ، والمركب مفتقر إلى أجزائه والى من يؤلف بينها أيضا ، فيكون والحال هذه ، ممكن الوجود ( وكل قائم في سواه معلول ) . إذا كان الشيء لا يحمل في طبيعته سبب وجوده فهو مفتقر إلى علة لأصل وجوده وحدوثه ، ولبقائه واستمراره ( فاعل